القاضي عبد الجبار الهمذاني

365

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وبعد . . فإن الحجة لا بدّ من أن يصح أن يعلم الباطن بالظاهر ، أو من قبل الرسول ، أو بوحي وإلهام . فإن قالوا : يعلمه بظاهر الكتاب ، فلا طريق يصح أن يعرف به ذلك ، إلا ويصح أن يقتضي من العلماء معرفته ؛ وكذلك فإن علم من قبل الرسول ، وقد ثبت أن الرسول يبلغ الجميع ؛ فيجب أن تمكن الجميع معرفته ؛ ومتى خصوا الحجة بذلك فكأنهم أخرجوا الرسول من أن يكون مبعوثا ومبينا لسائر الناس ؛ وقد علمنا بطلان ذلك ؛ ومتى قالوا : يعرفه بالإلهام والوحي فقد جعلوه رسولا ، وأوجبوا أنه أعظم حالا من محمد ، صلى اللّه عليه ، لأنه عرف الباطن دونه ، وهو المعتمد في الدين ، دون الظاهر . . وبعد . . فلو أراد تعالى أن يلبس كان لا يفعل إلا ما زعمه القوم ؛ من أن يريد بتنزيل القرآن تأويلا باطنا ، لا تشهد اللغة به ؛ فكيف يصح مع ذلك أن يقول : « ما فرّطنا في الكتاب من شيء » ؛ « وتبيانا لكلّ شيء ؛ وهدى ورحمة » ، ويأمر الناس بتدبره ، والتفكر فيه ! . فإن جعلوا لكل ذلك باطنا . قيل لهم : بم تنفصلون ممن جعل باطنكم ظاهرا لباطن آخر ؟ ؛ وقد حكى مثل ذلك عن الكيالية « 1 » وعن الصوفية ، وغيرهم ؛ فمن أين أن الباطن ما ذكرتم ؟ دون أن يكون قولكم ظاهرا لباطن آخر ، على ما ذهب القوم إليه ؟ . فإن قالوا : إن ظاهر القرآن قد اختلف فيه ، فلا يجوز أن لا يكون له باطن ، لأن الحق لا يكون في المختلف .

--> ( 1 ) هكذا الرسم في « ص » و « ط » وقد رجحنا - موقنا - أنها الكيالية وهم : أتباع أحمد بن الكيال من دعاة واحد من أهل البيت بعد الصادق ؛ ومن قول هذا الكيال : أن الأنبياء هم قادة أهل التقليد ، وأهل التقليد عميان - الملل والنحل للشهرستاني ج 2 ص 17 - 20 هامش الفصل - ط الأدبية سنة 1317